أرق


تُسدَلُ الستارةُ على يومٍ هارب يختبئ خلف شمسِ يومٍ جديد. لكنّه كما في كلّ مرّة لن يراها إلّا وهي تغرقُ في البحر

بعد معركة عنيفة مع التفكير، أرخى جوارحه واستلقى. كأنه رمى كلّ ما في جعبته قعرَ بئر لا قرار لها وعاد فارغاً.

عاد عرياناً من الأفكار، خالياً من المعلومات، عاجزاً عن كل حركة. أكلته الدنيا كوحش أسطوري انقضّ على بطلٍ فَنَجا، وكان ثمنُ روحه الفراغ. كان يعلم منذ أن بدأ يدرك الأمورَ أن لا مكان له في هذا العالم، فكلّ ما حظي به من قدرات ومواهب دُفنَتْ في ذاته. تحوّل جسده إلى ما يشبه آلةً حمقاء تعملُ للّاشيء، لا روحَ فيها ولا أفئدة، تفني ذاتها حتى تهترئ وتُرمى.

حاول أن يستعيد وعيَه في لحظة أمل، فخطفه النعاس كأنّما قدره أن لا يستمتع حتى بالخيال.

حاول مقاومة جسده المنهك أصلاً، وهو لا يدري لمَ يقوم بهذا، ربّما لأنه اعتاد معاندة كلّ ما يقهره. لكنّه كما في كلّ مرّة ينجو دون أن ينتصر، وذلك بعدما يستهلكُ كلّ قواه. يندم قليلاً ويبتسم بعدها، فيعود ويجاري قدره المحتوم. ينسلخُ عن العالم، يجلد نفسه كاشتراكيّ أدمن نقد الذات بعد أخطاء وهفوات عديدة.

يقترن جفناه ببعضهما في أقل من ثانية، فينتفض لكرامته وكأنّ النوم عار. وفي نهاية المطاف يُقضى عليه دون أن يزول، فتسقطُ عيناه صريعةَ النّزال العبثيّ. يحاول استراق النظر إلى نورٍ يشتاقُه، فتأتي ظلمةُُ المشهد الأخير لتعالجَ نهايته الحزينة. لا أحد يصفّق إعجاباً ولا حتى استحياءً، فمسرحه خالٍ تماماً كروحه التي أضاعها. وبعدما يُطبقُ السوادُ عليه ويغفو، تُسدَلُ الستارةُ على يومٍ هارب يختبئ خلف شمسِ يومٍ جديد. لكنّه كما في كلّ مرّة لن يراها إلّا وهي تغرقُ في البحر.

الأمَل في قاع الشمس


 تلفّه الشمسُ بحرّها من كل جانب، كما تفعل ورقة الألومنيوم بالسمكة في فرن سيّدة متكاسلة. يسيل ُالعرقُ من جبينه سارحاً بين حاجبَيه، يخطُ على جبهته متعرجاتٍ بيضاء كالملح. يكادُ شعرُ رأسه يذوب من فرط الحرارة، تدلُ أذناه الحمراوَان على درجتها المرتفعة. يفتحُ عينَيْه وكأنهما مغلقتان، فيحاولُ شَبْك رموشها علّها تقيه ضوءاً مزيداً وتبقي له فسحة نظر، ثمّ لا يلبثُ أن يفركَهما بيدَيْه الجافّتَيْن حتى يختلط المشهدان عليه.

يشعرُ كأنه يواسي “إبراهيم” النبي في ناره، أو كأن الله يهيؤه لعذابٍ أليم. يحارُ في أمره، فلا هو نبيّ ولا هو شيطان.
وبينما يغمضُ ناظرَيْه عن ألَمٍ، تراءَتْ له بعضُ آماله. يذكرُها بسرعة، كتلميذٍ حفظَ جدولَ الضرب عنوةً. في نهاية العدّ يحزن، فلا جدولَ لأمنياته ولا هي ضربَتْ موعداً ينتظرُه بشغف العاشقين. ذابَ بعضُها في بحر الأيام الأسوَد، وبعضها الآخر في القاع يرقد. تطفو على سطحِ الماء علاماتٌ يشكّ أنّها من كنوزٍ له فقدها، يراقبُها بحذر كأمٍّ رُزقَتْ طفلاً بعد أعوام من ألم الانتظار والحسرة. يعتني بأبسطِ التفاصيل، يحدّثُ الجميعَ عن فرجٍ قريب، عن حياةٍ جديدةٍ مثمرةٍ طالما بحث عنها ولمْ ينتظرْها وحَسب. وفي لحظةِ يهدأ سطحُ الماء كوجهِ فتاةٍ جميلةٍ لَمْ تنخُرْ بشَرَتَها المستحضراتُ، ينجلي الأمرُ عن حقيقةٍ وقحة؛ كلّ العلامات التي طالما انتظرها، رغم صغر حجمها وخفّة وزنها غرقَتْ.
كصيّادٍ فقيرٍ مهمّشٍ يعودُ إلى رشدِه وعيالِه بعد طول انتظارٍ عاجزاً محبطاً خاليةً سلتُه، يعود.

لم تدخل السياسة «إعاشة» إلا أفسدتها


اعاشة

بقدر ما تكون الحرب مأساوية على الناس فهي فرصة بالنسبة للبعض، ومن تسحقه آلة القتل ليس كمن يتاجر بدم الناس. فكلّ حربٍ تولّد أمراءها الذين يعتاشون على تسليح المتحاربين، كما على جثث القتلى ودموع الثكالى وعلى معاناة المهجرين وجوعهم. وإذا كانت المصالح السياسية والاقتصادية سبباً في اندلاع المعارك، وتجارة السلاح هي من موجبات استمرارها، فإنّ تجارة المساعدات والهبات هي من أسباب عدم إنهائها.

في بلاد الشرق الأوسط المتعددة الأديان والمذاهب والغنية بالثروات، لا تنفكّ المنطقة أن تخرج من أزمةٍ حتى تغوص في أخرى. فأدمن أهلها الحروب حتى ألِفوا المعاناة. فكلّ ما فيها حاليًا يشير إلى عدم إمكانية الاستقرار خاصةً في ظلّ أزمة القيم. هذه الأزمة طوّرت نوعًا جديدًا من الطفيليّين الذين يعتاشون على أنقاض الآخرين.

إنّ الاختلاف حول وجهات النظر السياسية وعدم الاتفاق على القضايا المصيرية، بات يدفع بالدول إلى تجنب خوض الحروب إلى جانب دول أخرى، هذا إن لم تتآمر عليها. ولذلك، فإنّ أغلب الدول باتت تعتمد سياسة مساعدة الدولة المنكوبة إنسانيًا لأهداف ليست بالضرورة أن تكون إنسانية. وبغضّ النظر عن مساعدات الدول الأجنبية، تحتل المساعدات “الإنسانية” العربية المقام الأول في مثل هذا التوصيف. وهكذا شهدنا في حرب تموز في العام 2006 على لبنان، حيث تسابقت الدول العربية على إرسال الإعانات للشعب اللبناني لتوظيفها سياسيًا في مكان، أو لدعم حكومة ذلك الوقت في مكانٍ آخر.

الأنكى من ذلك أنّ معظم هذه المساعدات المالية والعينية لم تصل إلى مستحقّيها. والحكومة التي كانت ممسكةً بناصية الأمور حينها، عملت على مدى عامين على صرف نحو 11 مليار دولار بشكلٍ مبهم. أما أعضاء تلك الحكومة “البتراء” كما سُميت حينها، انصرفوا إلى توزيع المغنائم العينية والغذائية عليهم وعلى مناصريهم. وفي وقتٍ كانت وزيرة الشؤون الاجتماعية تطالب بحصتها من المعكرونة، كان النازحون في حالة غليان للعودة إلى منازلهم المدمّرة ولم يهتموا للمساعدات التي تم تسوّلها باسمهم ثم بيعت في متاجر التجزئة. لم يلتفتوا إلى الحريق الذي شبّ في مرفأ بيروت ملتهماً صناديق إغاثة فارغة إلا من قلّة الضمير وعدم المسؤولية.

لم تلبث الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان إلا بضعًا وثلاثين يومًا، أظهر خلالها المقاومون بأسًا شديدًا، كما أظهر الانتهازيون وقاحةً فاقت تلك التي يتحلّى بها لصوص المال العام.

لمّا كان قدر لبنان أن لا يبرح صراعات المنطقة، فلقد جاءت الأزمة السورية لكي تجعل من هذا البلد الصغير متنفسًا للنازحين وظهرًا لطرفي النزاع السوري. عهدت بلاد الأرز أن يكون فيها حكومات غير مسؤولة، حيث يُبنى سلوك كل طرف على كيد الطرف الآخر. ولذلك تضيع المسؤولية بين مناكفات السياسيين ومصالحهم، وتنعدم المساءلة عن أية كارثةٍ أو خطأ أو تقصير.

كل الدول المحيطة بسوريا عملت على تحديد أعداد اللاجئين إليها وتحديد أماكن إقامتهم. ولبنان الذي كان يحتضن بالأساس نحو مليون عامل ومقيم سوري، استوعب بالإضافة إليهم ما يفوق المليون ونصف المليون نازح يتوزعون على مختلف الأراضي اللبنانية. وتباعًا، باتت الحكومة أعجز من ضبط حركة الوافدين إليها، مما انعكس إضراباتٍ أمنية واقتصادية على مجتمعها المحلي.

هذا العدد الهائل من النازحين السوريين إلى لبنان، لا تستطيع السلطة اللبنانية تحمل تبعاته وحدها وهي التي تعجز أصلًا عن تأمين أساسيات العيش لمواطنيها. وبالطبع، فإنه كان من مسؤولية الأمم المتحدة والأجهزة التابعة لها أن تعنى بإغاثة المشردين عن ديارهم، ولقد دخل على الخط العديد من الجمعيات غير الحكومية المحلية والدولية.

تداعى المجتمع الدولي لإغاثة النازحين السوريين وهو المشارك في دمهم ومأساتهم أصلًا، وراحت الدول تتسابق على تقديم مبالغ طائلة من المال للجمعيات التي تعنى بهذا الملف. وبما أنّ ليست كل مساعدة إنسانية هي عمل انساني، يبدو أن أعداد اللاجئين الغفيرة في لبنان وتسيّب السلطة بالإضافة إلى المساعدات المعروضة، كلّها أسالت لعاب الجمعيات “الحنونة” على التسابق لخدمة الإنسانية. ومن لم يكن يستطيع أن يلتحق بركب جمعية ما أو إدارة مخيم ما، عمل على تأسيس جمعيته الخاصة التي تدّعي مساعدة النازحين والمشردين، آملةً وطامعةً بتمويلٍ ودعم خارجيين.

حصل أن نال كثيرٌ من الجمعيات أموالًا، وقدمت تقاريرها وفواتيرها للمانحين. لكن فاتورة عشاء واحدة على شرف وفد ما، كفيلة بفضح أمور هذا الاهتمام المستجد بالخدمات الإنسانية. وإذا استطاع المرء أن يقارن بين جودة الأغذية التي تقدّم للمنكوبين وبين أسعارها، لأمكنه أن يدرك سبب هذه الهمم المشحوذة في سبيل التطوّع “لخدمة الإنسانية”.

فوضى الجمعيات هذه لا تعكس إلا واقع لبنان، البلد المأزوم والعاجز عن ضبط السلطة فوق أراضيه. أما الأزمة السورية، فيبدو أنها لا تطول بسبب عدم التفاهم بين طرفي النزاع وحسب، وليس لأنّ أميركا والكيان الصهيوني يريدان دفع الأطراف المتنازعة إلى مزيد من النزف. والنظرة إلى مآل الأمور يثير الشك والريبة في النفوس، وحيث تطلب الأمم المتحدة من لبنان منح النازحين السوريين وثائق سفر يعني ذلك أنّ الأزمة قد تطول. وكلّما يتحدث المجتمع الدولي عن مساعدات إضافية للجمعيات العاملة في هذا المجال بعيدًا عن الدولة، كلّما سال لعاب المستغلّين وشحُذت همة الانتهازيين. لم يعد غريبًا إذًا خبر استئجار أرض في منطقة الجميلية بقضاء الشوف قبل أسابيع وفي منطقة عكار مؤخرًا لإقامة مخيّمات نزوح، ومن ثم دفع النازحين لقصدها عنوةً. ذلك أنّ المخيمات التي يتجمّع فيها النازحون في بوتقة واحدة، تدرّ على المشرفين عليها ثروات المتبرعين، دون تكلّف عناء البحث والإحصاء.

وفي الأحداث الأخيرة في فلسطين، إن صحّ ما يقال عن المساعدات المصرية الفاسدة التي دخلت غزة مؤخرًا، فإنها ستكون من أقبح الرسائل السياسية التي استغلّت وضعًا إنسانيًا. قد تكون السلطات المصرية تقصد بهذا العمل توجيه الإهانة لحماس، خاصةً بعدما رفضت المبادرة المصرية. ولكنها بعلمٍ أو بغيره، فهي تهين الشعب الفلسطيني كله.

جاء الرد المصري متأخرًا، وتحدّث عن أنّ المساعدات التي شملت 500 طنًا من الأدوية والمواد الغذائية كانت بحال جيدة عندما أرسلت لغزة. وأنها من المساعدات نفسها التي كان ينوي الجيش المصري توزيعها على المواطنين المصريين بمناسبة شهر رمضان. وتفسير ذلك أنه يمكن أن يكون هناك من دخل على الخط، وقام باستبدال المساعدات الجيدة بأخرى فاسدة. وهذا اللص الذي قام بهذا الفعل، إنما لم يدرك وقع فعلته السياسي والاجتماعي، وركن لجَشَعه وحسب.

في كل الأحوال، فإنّ المساعدات أثناء الحرب وبعدها، إنما أصبحت رسائل سياسية أشد فتكًا من السلاح. وكما كان يدعو البعض ويعمل لإطالة حرب تموز في سبيل القضاء على المقاومة، ثمة من تمنى لو تقع كل يوم حربًا لتفيض دكاكينه بصناديق الإعاشات والطعام المجاني. وكما فرّخت الحرب في سوريا تجار دِين ونفط، فهي أنبتت في كل بقاعٍ لجأ إليها النازحون تجارَ جوع وبائعي كرامات. وكما تقوم سعادة بعض الناس على تعاسة وشقاء الآخرين، فإن المادة والمال هما من أهم أسباب الحروب والاقتتال، وعندما تقع الحرب يحصل أن ينتفع شقيٌّ منها فيستغلها ما استطاع ثمّ يعود فيما بعد ليحدّثك بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

نشر على سلاب نيوز

الصواريخ اليتيمة لا تحتاجها غزة


أكثر من أسبوعٍ مرّ على حرب الاحتلال المسعورة على غزة. لا جديد في المشهد العربي المتخاذل سوى تغيّر في  بعض الأشخاص والحكومات. ما بعد “الربيع العربي” ليس حتماً كما قبله، فحملات التضامن الشعبي مع فلسطين تتراجع، خاصةً أنّ حماس في الواجهة. وبما أن الصاروخ هو الوسيلة الأنجع لخرق الهيبة “الإسرائيلية”، فإنه بات الوسيلة الفضلى لمجهولي الهوية المتضامنين من لبنان.

دولة الاحتلال “الإسرائيلي” لا تحتاج إلى ذريعة لمهاجمة وقتل الشعب المستهدف، فهي تبحث عن كل فرصة سانحة لها عسكرياً وسياسياً للانقضاض وتحقيق مآربها. ويحصل في بعض الأحيان أن تخلق هذه الدولة ذريعة تتخذها شمّاعة، تلوّح بها أمام العالم الغربي المتحالف معها أصلاً.
وفيما لم يتبنَّ أحد حتى الآن عملية خطف الجنود الصهاينة وقتلهم، فإن “إسرائيل” أعلنت من طرفٍ واحد أنّ حماس تتحمل مسؤولية هذا العمل. وعليه، فلقد بدأت حكومة نتنياهو حملتها القمعية في الضفة والخليل واعتقلت مئات الفلسطينيين، ولم تلبث أن تحوّلت نحو غزة وباشرت بقصف المنازل، ما أجبر المقاومة الفلسطينية على الرد والتصعيد، وبدأت الحرب.

تستغلّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي الظرف الأنسب للانقضاض. وليس أنسب لها من لحظة غليان دول الطوق وكل العالم العربي. فإنّ كلاً من سوريا ومصر والعراق يواجه لحظات مصيرية في أتون الصراعات السياسية والمذهبية والأمنية. والعرب، بالإضافة إلى الانشغال بكأس العالم، فهم ينشغلون بالتعامل مع القضية الأساسية على طريقة النكايات. وقفت غزة وحيدة هذه المرّة، وكانت لتواجه مصيرها السابق بالاحتلال دون أن ينتبه أحد.
لم يوفّق إيهود باراك، رئيس وزراء العدو السابق عندما قال “إن الفلسطينيين سيدفعون الثمن باهظاً إذا ما حاولوا الإخلال بالتوازن”. فإن “اختلالاً” بالتوازن قد حدث فعلاً بين قدرات المقاومة الفلسطينية فيما سبق وبين قدراتها الحالية. ولم يكن العالم ليشير لغزة، لولا أن وصلت صواريخها لتل أبيب مهشِمةً “القبة الحديدية”.

لم تكن غزة وحيدة إذاً، بل إن هناك من مدّها بالسلاح وساعدها في إيصاله وحتى تدريب المقاتلين عليه. ومن فعل ذلك فهو بالتأكيد لا يكتفي بالمظاهرات والحملات الإعلامية، بل إنّ أعماله العسكرية تدلّ عليه. والدول والمنظمات الداعمة للمقاومة الفلسطينية لم تتوقف عن دعمها رغم كل الخلافات السياسية التي عصفت بالعلاقات فيما بينهم. غافلٌ من ينسى خلية سامي شهاب التي قُبض عليها في مصر أيام الرئيس المخلوع حسني مبارك. حينها تمّ اتهام شهاب ومن معه بأنهم يهرّبون الأسلحة لغزة، و”هذا يشكل خطراً على أمن مصر”، فسُجنوا لكنهم تحرّروا بعد ثورة 25 يناير.

إنّ تخاذل الأنظمة العربية كانت تولّد شعوراً لدى البعض بالعجز عن مساندة إخوانه في فلسطين، فيتنفّس بالتظاهرات. لكنه مع هذا الصراع المذهبي، فإنه حتى القضية الفلسطينية لم تعد جامعة بالحد الأدنى، وبات الأمر يتحوّل من تضامن إلى كونه استغلالاً لهذه القضية. وهكذا فإننا مع كل جولة، نشهد صواريخ يتيمة تُطلق من الجنوب اللبناني باتجاه الأراضي المحتلة، وتخرج بعد فترة منظمات “جهادية” لتتبنى مثل هذه العمليات. تلك المنظمات لم تكن لتطلق رصاصة واحدة في سبيل تحرير فلسطين، كما تفعل في سواها من البلدان الأخرى حيث تفجّر وتدمّر وتقتل وتفتك. لكنّ صاروخي غراد اثنين، كفيلان بتحرير فلسطين ابتداءً من جنوب لبنان!

يبدو أنّ هذه المنظمات تعيّر المقاومة في لبنان بأنها لم تحرّك ساكناً تجاه العدوان على غزة، وتتناسى كلّ الدعم العسكري واللوجستي والتقني. وهي، إذا ابتعدنا في التحليل، قد يخطر في ذهنها أن تخلق لـ”إسرائيل” ذريعة لمهاجمة لبنان توازيها هجمات تكفيرية من ناحية البقاع والشمال. وبالتالي فإنّ المقاومة، برأي البعض، لن تستطيع الصمود على أكثر من جبهة، ما سيجعلها تواجه ضربات من الجنوب، تؤدي إلى انسحابها من سوريا والمناطق الحدودية.
تبدو الأمور اليوم أكثر وضوحاً، خاصةً مع انكشاف الصراعات على المنطقة بين محورين. لكن الخطر يبقى في مذهبة القضايا، كل القضايا. وليس الادّعاء بأنّ المقاومة محتكرة من قبل طرف دون آخر، سوى لتعميق الشرخ بين الأطراف المتنازعة في المنطقة.

من النوادرأن تتمكن الأجهزة الأمنية اللبنانية من القبض على أحد المسؤولين عن إطلاق الصواريخ باتجاه فلسطين المحتلة. الجديد في القضية أنّ منفذ العملية الأخيرة شيخ ودكتور في الشريعة، قد تكون عاطفته وحماسته للقضية الفلسطيني دفعته لأن يقوم بهذا العمل، وقد يكون غير ذلك. ليس الوقت لتحميل الشيخ المسؤولية الفردية الكاملة، وليس حتى لتبرير عمله بالعاطفة.
لطالما تعامل الشعب العربي بعاطفة مع قضاياه ولطالما فشل فيها. ولم نكن لنشهد هذا التقدّم النوعي في قدرات المقاومة الفلسطينية وقبلها اللبنانية، لولا أن وضعت الخطط ونظمت أجهزتها ودرّبت كوادرها وعناصرها ولم تكتفِ بمظاهرة أو صاروخ وحسب.

نشر على موقع سلاب نيوز

ما بين الأرق والنعاس


ﻳﺨﺘﺰﻧُﻨﻲ ﺍﻷﺭﻕ، ﻳﻔﻴﺾُ ﻣﻨٍّﻲ ﻋﻠﻰ ﺷﺎﺷﺎﺕِ ﺍﻟﺘﻠﻔﺰﺓ ﻭﺍﻟﺤﻮﺍﺳﻴﺐ. ﺃﻗﺮﺃ ﺟﻞّ ﻣﺎ ﻳﻘﻊ ﺗﺤﺖ ﻧﺎﻇﺮﻱّ، ﻭﺃﺳﺘﻐﺮﻕ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻤﻌّﻦ ﺩﻭﻥ ﺟﺪﻭﻯ. ﻓﻼ ﺍﻷﺧﺒﺎﺭُ ﻣﻄﻤﺌﻨﺔ ﻭﻻ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﺍﻟﻤﻨﺸﻮﺭﺓ ﻧﺎﻓﻌﺔ. ﻓﻬﻲ ﺇﻥ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻟﻠﺘﺮﻓﻴﻪ، ﺗﺮﺍﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺷﺎﻛﻠﺔ ﻋﻨﺎﻭﻳﻦ ﻣﺮﻋﺒﺔ ﻭﻣﻔﺎﺟﺌﺔ. ﺃﻗﺮﺃ، ﻓﺄﺭﺍﻧﻲ ﺣﺎﺋﺮﺍً ﻻ ﻳﻤﻠﻚ ﺣﻮﻻً ﻭﻻ ﻗﻮﺓ.
ﺗﻌﻢّ ﺍﻟﻔﻮﺿﻰ ﺃﺻﻘﺎﻉَ ﺍﻷﺭﺽِ ﺇﻟّﺎ ﻣﺎ ﻧﺪﺭ. ﺣﺮﻭﺏٌ ﺩﺍﻣﻴﺔ ﻭﺳﻴﺎﺳﺎﺕ ُﻫﺠﻴﻨﺔ، ﻛﻠّﻬﺎ ﺗﺪﻓﻊ ﻟﻠﺘﻔﻜﻴﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ. ﻛُﻨّﺎ ﺃﺩﻭﺍﺕٍ ﻭﺳﻨﺒﻘﻰ، ﻧﻨﻔّﺬ ﻣﺎ ﺭﺳﻤﻪ ﺍﻵﺧﺮﻭﻥ، ﻭﻧﺘﻘﺎﺗﻞ. ﻟﻜﻞٍّ ﻣﻨّﺎ ﺭﺏٌّ ﻳﻌﺒﺪُﻩ، ﻭﻳﻈﻦّ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻌﻪ. ﻟﻜﻞّ ﻣﻨّﺎ ﻓﻜﺮٌ ﻭﺩﻳﻦ، ﻭﻳﺪّﻋﻲ ﺃﻥ ﻣﻌﺘﻘﺪﺍﺗﻪ ﺻﺎﺋﺒﺔ. ﻓﻼ ﻳﺘﻘﺒّﻞُ ﺃﺣﺪٌ ﺍﻵﺧﺮ .

ﻓﺮﺍﻍٌ ﻳﻤﻸ ﻋﻘﻮﻟَﻨﺎ. ﻧﺒﺤﺚُ ﻋﻦ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﺬﺍﺕ، ﻓﻨﺠﺪُ ﺃﻧﻔﺴَﻨﺎ ﻏﺎﺭﻗﻴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺪِّﻳﻦ. ﻭﻳﺎ ﻟﻴﺘﻪ ﺩﻳﻦٌ ﻳﺠﻤﻌﻨﺎ. ﻟﻘﺪ ﻣﺰّﻗْﻨﺎ ﻛﻞَّ ﺃﻭﺍﺻﺮ ﺍﻟﻘﺮﺑﻰ ﻭﺍﻟﺘﻘﺎﺭﺏ. ﻟﻘﺪ ﺃﺣَﻄْﻨﺎ ﺃﻓﻜﺎﺭَﻧﺎ ﺑﻬﺎﻻﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺪﺍﺳﺔ ﺍﻻﻓﺘﺮﺍﺿﻴﺔ. ﺃﻳﻦ ﻧﺤﻦ ﻣﻦ ﺩﻳﻦ ﺟﺎﺀ ﻳﻮﺣّﺪُﻧﺎ؟ ﺃﺗﺮﺍﻧﺎ ﺍﻧﺘﻘﻤﻨﺎ ﻣﻨﻪ؟ ﺑﻠﻰ، ﻭﻧﺤﻦ ﻧﻘﺘﻞُ ﺑﺎﺳﻤﻪ.
ﺷﺘّﺎﻥ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺘﺪﻳّﻨﻴﻦ ﻭﺗﻌﺎﻟﻴﻢ ﺩﻳﻨﻬﻢ. ﻟﻘﺪ ﺃﺩﺧﻠﻨﺎ ﺫﻭﺍﺗﻨﺎ ﻓﻲ ﺩﻭﺍﺋﺮ ﻣﻐﻠﻘﺔ، ﻓﺒﺘﻨﺎ ﻻ ﻧﻘﺒﻞ ﺇﻟّﺎ ﻣﻦ ﻳﺜﻨﻲ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﻮﺣﻨﺎ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﺘﻄﺮّﻑ. ﻭﺑﺘﻨﺎ ﻻ ﻧﺴﺘﺴﻴﻎ ﺇﻻ ﻣﻦ ﺟﺎﺀﻧﺎ ﺑﺘﻌﺎﻟﻴﻢَ ﺇﻗﺼﺎﺋﻴﺔٍ. ﻻ ﻣﻜﺎﻥ ﻟﻠﻤﺤﺒّﺔ، ﻭﻻ ﻣﻜﺎﻥ ﻟﻠﺼﻔﺢ. ﻧﺤﺎﻛﻢ ﺑﻌﻀَﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﻧﻮﺍﻳﺎ ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻣﻀﺖْ، ﻭﻧﻨﺘﻘﻢ ﻷﻟﻒ ﻋﺎﻡ ﻭﻟّﺖْ. ﻟﻢ ﻳﺤِﻦِ ﺍﻟﻮﻗﺖُ ﺍﻟﺬﻱ ﻧﺤﻴﺎ ﻓﻴﻪ ﺩﻭﻥ ﻓﺮﺽ ﺇﺭﺍﺩﺍﺗﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﺳﻮﺍﻧﺎ. ﻟﻢ ﻳﺄﺕِ ﺑﻌﺪ.

ﻛﻴﻒ ﺫﺍ، ﻭﻧﺤﻦ ﻧﺸﻮّﻩُ ﺍﻟﺬﺍﺕَ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔَ ﻭﻧﻄﻌﻦُ ﺑﺎﻟﻌﻘﻞ؟! ﻣﺎ ﺍﻟﺴﺒﻴﻞُ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﻘﺪّﻡ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺗﺮﺗﺪّ ﺃﻓﻜﺎﺭُﻧﺎ ﺇﻟﻰ ﻋﻘﻮﺩٍ ﺧَﻠَﺖْ ﺇﻟّﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻬﻞ؟! ﻣﺎ ﺣﺎﺟﺔ ﺍﻟﺪّﻳﻦ ﻟﻨﺎ، ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﻻ ﻧﻨﻬﻞُ ﻣﻨﻪ ﺇﻟّﺎ ﻣﺎ ﻭﺍﻓَﻖَ ﺃﻃﻤﺎﻋَﻨﺎ؟!
ﺑﺘﻨﺎ ﻛﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕٍ ﻣﺘﺼﺎﺭﻋﺔٍ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻭﺣﺴﺐ، ﻭﺍﻟﺒﻘﺎﺀُ ﻟﻸﻗﻮﻯ. ﻟﻜﻦ ﻻ ﻗﻮﻱَّ ﺑﻴﻨَﻨﺎ، ﺑﻞ ﺇﻧّﻨﺎ ﻣﺨﺘﻠﻔﻮﻥ ﻓﻲ ﻛﻞّ ﺷﻲﺀٍ ﻣﺎ ﺧﻼ ﺍﻟﺒﻄﺶ . ﻳﺮﻳﺪﻭﻧَﻨﺎ ﺃﻗﻮﻳﺎﺀَ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﻀﻨﺎ، ﻭﻧﺤﻦ ﻻ ﻧﺮﻓﺾُ ﺍﻟﻨِﺰﺍﻝ. ﻧﺤﺎﻟﻒُ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥَ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﻛﻞّ ﻣﺨﺘﻠﻒ.
ﺍﻟﺪِّﻳﻦ ﻭﺍﺿﺢٌ ﻻ ﺭﻳﺐَ ﻓﻴﻪ، ﻭﻓﺘﺎﻭﺍﻧﺎ ﻣﺮﻳﺒﺔٌ ﻻ ﻋﻘﻞ ﻓﻴﻬﺎ. ﻧﺤﻦ ﺍﻟﺨﻞُّ ﻭﺩﻭﺩُﻩ ﺇﺫ ﺃﻏﻔﻠﻨﺎ ﻋﻘﻮﻟَﻨﺎ ﻭﺍﺣﺘﻜﻤﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﻋﻮﺍﻣﻞ ﺍﻟﻘﻬﺮ.

ﺃﻑٍّ ! ﺃﻫﻜﺬﺍ ﺳﺄﺑﻘﻰ ﻣﻨﺘﻘﺪﺍً ﻟﻨﺎ؟ ﻣﻦ ﻧﺤﻦ ﺃﻳﻀﺎً؟ ﻣﻦ ﺃﻧﺎ ﻛﻲ ﺃﺻﻮّﺏ ﻣﺎ ﻳﺮﺍﻩ ﺳﻮﺍﻱ ﻋﻴﻦ ﺍﻟﺼﻮﺍﺏ؟
ﺗﻬﻢّ ﻋﻴﻨﻲّ ﺇﻟﻰ ﻏﻔﻮﺓٍ ﺃﺷﺘﺎﻗُﻬﺎ. ﺃﺗﺨﻠّﻰ ﻋﻦ ﻛﻞّ ﻣﺎ ﻳﺸﻐﻠُﻨﻲ، ﻭﺃﻫﺮﻉُ ﺇﻟﻰ ﺳﺮﻳﺮﻱ ﻃﺎﻟﺒﺎً ﻟﺠﻮﺀﺍً ﺳﻴﺎﺳﻴّﺎً. ﺃﺗﻮﻏّﻞُ ﻓﻲ ﻓﺮﺍﺷﻲ ﺧﻠﺴﺔً، ﻓﺘﻘﺒﺾُ ﻋﻠﻲّ ﺳﻠﻄﺎﺕُ ﺍﻟﺒﻌﻮﺽِ ﺍﻟﺪﻳﻜﺘﺎﺗﻮﺭﻳﺔ. ﺗﺰﺝّ ﺑﻲ ﻓﻲ ﺳﺠﻦ ﺍﻟﻨﻌﺎﺱ ﺍﻷﺑﺪﻱّ، ﻓﻼ ﺃﻫﺮﺏُ ﻣﻨﻪ ﺇﻟّﺎ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﻮﻗّﻒُ ﻋﻘﻠﻲ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ.

ﺍﻧﺎﻡُ ﺃﺧﻴﺮﺍً، ﻷﻋﻮﺩ ﻭﺃﺻﺤﻰ ﻋﻞ ﺃﺻﻮﺍﺕ ﺃﺑﻮﺍﻕ ﺍﻟﺴﻴّﺎﺭﺍﺕ ﻭﺷﺘﺎﺋﻢ ﺍﻟﺴﻮّﺍﻗﻴﻦ.
ﺇﻧﻬﺎ ﺍﻟﻔﻮﺿﻰ، ﻭﻧﺤﻦ ﻧﺤﺴﻦُ ﺇﺩﺍﺭﺗَﻬﺎ.

من «الدونغل» إلى «الشارينغ» القراصنة أذكى من الريسيفر


موضوعي في جريدة الأخبار - صفحة تكنولوجيا 

من «الدونغل» إلى «الشارينغ» القراصنة أذكى من الريسيفر

يحتاج المرء لإنفاق أكثر من نصف دخله ليتمكن من مشاهدة كل قنواته المفضلة (أ ف ب)

خلافاً لتقنية فك التشفير القديمة عبر «الدونغل»، تتمتع تقنية «الشارينغ» عبر الإنترنت بجودة أفضل لناحية ثبات عرض القنوات واستمراريتها. وبين حق الملكية الفكرية وسوء نظام الاحتكارات، أدى رفع أسعار الاشتراكات في القنوات المشفرة إلى اللجوء للقرصنة

شهدت سوق الصحون اللاقطة وأجهزة استقبال المحطات الفضائية نمواً هائلاً أواخر القرن الماضي، ثم ما لبثت هذه الأجهزة أن تراجعت أمام شركات «الكايبل» التي تقدم باقات مختلفة تضم قنوات مجانية ومشفرة. وتعود اليوم أجهزة الاستقبال «الريسيفر» إلى الواجهة، وخاصة بعدما شهدت تطورات لافتة وتحولها من نظام «أنالوغ» إلى «الديجيتال»، مروراً بتقنيات العرض العالية الوضوح «HD»، وصولاً إلى كونها أجهزة وسائط إعلامية.

تؤمّن أجهزة «الريسيفر» الحديثة صورة عالية الدقة والوضوح إذا كانت موصولة على شاشة عرض مدعومة، وتزداد نقاوة وجودة إذا كانت القناة تبث بهذه التقنية أيضاً. كذلك، فإن هذه الأجهزة تحظى بمنفذ USB يمكّن المستخدم من تشغيل ملفات الفيديو والصوت، وأيضاً من تسجيل المحتوى المعروض وإعادة عرضه، كذلك تستطيع المتطورة منها الاتصال بالإنترنت بواسطة تقنية Wifi. وبالإضافة إلى تضمنها برامج لتشغيل «يو تيوب» وخرائط «غوغل» واستعراض درجات الحرارة وآخر الأخبار، فإن بعضها يتضمن ما يعرف بالـ«آي بي – تي في»، أي مشاهدة القنوات التي تبث عبر الإنترنت مباشرة. هذا ويمكن تحديث برنامج التشغيل وقائمة القنوات عبر الإنترنت مباشرة باستخدام «واي فاي»، أو حتى عبر ذاكرة تخزين محملة بالتحديث مسبقاً.

كل هذه الخدمات طبيعية، في ظل التطورات التي يشهدها قطاع الإلكترونيات، إلا أن «الريسيفر» الذي يتصل بالإنترنت أصبح باستطاعته أن يفك شيفرات بعض القنوات المشفرة، وذلك عبر تقنية المشاركة. وهذا يعني أن يتصل الجهاز بالإنترنت أولاً ومن ثم بالمخدم «سيرفر» عبر «آي بي ـ IP» وحساب خاص مدفوع لمدة محددة، وهو بدوره يؤمّن مشاركة الحسابات التي يملكها للمتصلين. قد تبدو هذه العملية معقدة بعض الشيء، إلا أن «الريسيفر» يأتي مجهزاً بها ولا يحتاج المستخدم سوى أن يوصله بالشبكة العنكبوتية. تدوم هذه الخدمة مبدئياً لمدة عام، يحتاج بعدها المستفيد لأن يحصل على اشتراك مدفوع جديد بالـ«سيرفر».

الثابت في عالم البرمجيات والحاسوب، أن أي تقنية لم تسلم من القرصنة والاختراق إلى حد ما. وكلما طوّر المصنعون برمجياتهم وأمنوها، طوّر «القراصنة» من قدراتهم وحسّنوها. وهكذا، خلافاً لتقنية فك التشفير القديمة عبر «الدونغل»، تتمتع تقنية «الشارينغ» عبر الإنترنت بجودة أفضل لناحية ثبات عرض القنوات واستمراريتها، إضافة إلى سهولة تشغيلها وصعوبة تتبعها وإيقافها. إلا أن ذلك لا يضفي صفة الشرعية عليها، كذلك فإنه في بعض الأحيان قد يواجه المستخدم لهذه التقنيات الملتفة مشاكل تقنية وعقوبات جزائية في بعض البلدان.

لا تخفي شركات البث انزعاجها الكبير ممّا تعتبره قرصنة وتحايلاً على القانون، ولهذا فهي تلجأ دوماً للبحث في تقنيات التشفير الجديدة لزيادة التأمين على محطاتها. ولعل أبرز ما وصلت، بالإضافة إلى بطاقات الاشتراك المدفوعة، هو تسجيل الجهاز لدى الشركة كي يتمكن المشاهد من استعراض المحتوى. من جهة أخرى، يشير المستفيدون من تقنية «الشارينغ» إلى أن الاحتكارات رفعت أسعار الاشتراكات في القنوات المشفرة، بحيث بات يحتاج المرء لإنفاق أكثر من نصف دخله ليتمكن من مشاهدة كل قنواته المفضلة. وإلى حين التوصّل لأسعار ترضي الشركات والمستهلكين معاً، وجد الأخيرون في هذه التقنية الرخيصة باباً للتملّص من الأعباء الإضافية.

وفيما سجّل سوق أجهزة استقبال البث الفضائي نموّاً بين 20 و30% خلال عامي 2012 و2013، يتوقع أن ترتفع هذه النسبة مع زيادة الطلب عليها، وخاصة بعد دخولها عالم «الأندرويد»، ما يجعل من «الريسيفر»، بالإضافة إلى وظيفته التقليدية، جهازاً ذكياً متعدد الاستعمالات. فهو يحوّل التلفاز المنزلي، حتى لو لم يكن حديثاً، إلى شاشة عرض للتمتع بمزايا نظام «أندرويد» الشهير، من تطبيقات وألعاب وتصفح لمواقع الإنترنت. يعود الفضل في هذا التطوّر إلى إمكانية تزويد هذه الأجهزة بمعالجات سريعة ثنائية النواة، وأيضاً بذاكرة عشوائية RAM تصل إلى واحد جيغا، إضافة إلى سعة تخزين تراوح بين 4 و32 جيغا. بعض أجهزة «الريسيفر» الذكية يمكن وصلها مع «ماوس» و«كيبورد» لاسلكيين لتسهيل عملية التصفح وكتابة الرسائل، كذلك يعمد المصنعون إلى تطوير آلة التحكم عن بُعد «الريموت كنترول» لتتلاءم مع عملها المتشعب والجديد.

رابط المقال http://www.al-akhbar.com/node/207709

من المُساكَنة إلى المُواطَنة


انتهت ولاية رئيس الجمهورية اللبنانية بعد ست سنوات من الحكم. لكن في بلاد الأرز، لا سلطة فعلية بيد هذا الرئيس خارج نطاق مجلس الوزراء. وهذا الأخير، هو الذي أنيطت به مجتمِعاً معظم السلطات التنفيذية، بعد اتفاق الطائف الذي تلا الحرب الأهلية في لبنان. وفعلياً، فإن السنوات التي شهد فيها هذا العهد حكومة عاملة لا تتعدى الاثنتين.

دخل هذا البلد الصغير في مرحلة فراغ رئاسي، وهو بات معتاداً عليها، جراء شغور الموقع المسيحي الأول. ولقد عزّ على المواطنين، خاصة المسيحيين منهم، هذا الأمر. وباتوا يشعرون اليوم أن الحكم الفعلي في البلاد لم يعد بيدهم، أكثر مما شعروا به بعد الطائف، مما دفع بالكثيرين منهم إلى مقاطعة الانتخابات البرلمانية لشعورهم بالتهميش إبان وجود الجيش السوري على الأراضي اللبنانية.
واليوم، تعيش سوريا في أزمة، بل قُلْ في حرب شغلتها عن معظم ما يدور حولها من استحقاقات، ولم يعد للمسيحيين شمّاعة يعلقون عليها شعورهم بالتهميش والتحييد.

النظام السياسي في لبنان برلماني، وقانون الانتخابات التشريعية فيه أكثري، وبالتالي فإنه يمكن لأي تحالف أن يكتسب الأكثرية دون أن يمسك بالأغلبية، خاصة في ظلّ تقاسم السلطة على أساس طائفي. هذا الأمر جعل في من كل طائفة معسكراً سياسياً يتمترس خلفه أبناؤها، في ظل غياب تام لمفهوم الأحزاب التي تلعب دوراً أساسياً في تثقيف الشعب وإيصال مطالبه إلى السلطة. فالأحزاب اللبنانية هي التي تفرض مصالحها قراراتها على الشعب.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الفوارق الديمغرافية لعبت دوراً مهماً في تقليص التأثير المسيحي على مجريات الحياة السياسية، ما دفع بالأحزاب المسيحية للركون خلف تلك المسلمة المنقسمة والمتخاصمة أصلاً.
وبالتالي، فإن الأحزاب المسيحية تعجز عن إيصال بعض مرشحيها لمقاعد مجلس النواب دون أن تكون تحت جناح حليفها الأقوى. زد على ذلك، أن نسبة المرشحين المسلمين الذين يمكن لأي حزب مسيحي أن يوصلهم للبرلمان، هي أقل بكثير من تلك التي يتمتع بها الطرف المقابل. وفي المحصلة، يظهر أن انتخاب رئيس الجمهورية ليس في يد طرف دون آخر، ولهذا فإن الحل كان بإيصال رئيس “توافقي” كما بات معلوماً.
يلقي البعض لوماً على أبناء الطائفة المسيحية، ويحمّلهم أوزار الاستحقاق الرئاسي. وذلك عبر الادعاء أنهم لم يتفقوا فيما بينهم على اسم مرشحهم، كما يفعل أبناء الطوائف الأخرى في حالات انتخاب رئيس مجلس النواب الشيعي، وتسمية رئيس الوزراء السني.

لم يعد مخجلاً أن تسمى الأشياء بأسمائها، لكنه يبدو مخزياً أن لا يُعمل على تطوير النظام السياسي. قد يبدو الأمر وكأنه إلغاء لما هو قائم والإتيان بما هو غير معلوم، لكن ذلك ليس مجدياً، خاصة وأن أمثلة “الثورات” العربية جاثمة أمام الملأ.
وفي عالم لم تعد معه الثورات والانقلابات هي الحل، بل الدراسات والأبحاث على أسس الفوائد المشتركة، يبقى أن يتخذ اللبنانيون قراراً ببدء هذه العملية الإصلاحية لنظامٍ أفقَرَ معظم المواطنين من مختلف انتماءاتهم. وبما أن مجلس النواب اللبناني هو الذي ينتخب رئيس الجمهورية ويسمي رئيس الوزراء، وفي واقع الحال ينتخب رئيسه، فيمكن القول أنّ أبرز ما يمكن أنْ يشكّل انطلاقة للتغيير والتقدم، هو إصلاح قانون الانتخابات. ومهما اختلفت القوانين الانتخابية فهي لن تجترح المعجزات، لكنّ أي قانون يحمل بعضاً من الأمل نسبياً، لا بد منه.

في بلاد متنوعة المشارب كلُبنان، لا جدوى من التقوقع والانعزال. وإلى حين إزالة الطائفية من النفوس والنصوص، يبقى أن يشهد لبنان خطوته الأولى نحو هذا الهدف. عندها، قد لا يشعر المسيحيون الذين هم عرّابو لبنان الكبير بالغُبن، وقد لا يتحامل المسلمون على بعضهم، وعلى سواهم، لشعورهم بالتفوّق العددي الممتد في هذا المحيط الإسلامي.

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 831 other followers

%d bloggers like this: